العودة للخلف

2) القاعدة الأولى

تاريخ النشر: 04 / 10 / 2026
: 3

القاعــــــدة الأولــــى

(أنَّ تعلم أنّ الكفّار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يُقِرُّون بأنّ الله تعالى هو الخالِق المدبِّر، وأنّ ذلك لم يُدْخِلْهم في الإسلام، والدليل: قوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [يونس:31]).

مضمُون هذه القاعدة:

أنْ تعلم أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لأمور العالم، وأنَّ هذا لم يُنكره أحدٌ في الظاهر والباطن، ومع هذا الإقرار منهم فإنهم لم ينتفعوا به، ولم يدخلهم في الإسلام ولم يحقن هذا الإقرار والاعتراف دماءَهم.

وعليه فليس التوحيد مجرَّد الاعتراف بتوحيد الربوبية فإنَّ المشركين كانوا مقرِّين به ولم ينفعهم مع إشراكهم في عبادة الله سبحانه بل إقرارهم هذا حجة عليهم يلزمهم به توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة كما أمر {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.

التعليق على هذه القاعدة:

هذه القاعدة مبنيَّة على ركنين يجب عليك أن تفهمها:

الأول: أنَّ كفار قريش وغيرهم يقرون بأنَّ الله سبحانه يرزقهم ويدبِّر أمور الخلائق وهو يملك السمعَ والأبصار للآية التي تلاها المؤلِّف وهي قوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }

وأيضًا هم مُقرِّون بأنَّ الله خلَقَهُم وخلَقَ السَّموات والأرض لقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزُّخرُف:9] ولقوله: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [لقمان:25] ويقرون أيضا بأن ملكوت كل شيء بيد الله وحده لقوله تعالى: { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ }

ويقرِّون بأنَّ الله هو الذي ينزِّل الأمطار ويحيي الأرض وينبت النبات ويرزق من ألوان الثمار لقوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } [العنكبوت:63].

وهذا الإقرار والاعتراف لم يُنازع في أصله أحد من الخلائق في الظاهر والباطن لأن الخلق مفطورون على الإقرار به، وإن وُجد من بعض المشركين اعتقاد أنَّ بعض الآلهة تنفع وتضرّ بدون أنْ يخلقَ الله ذلك.

ويقوله الثنويَّة في خلق بعض العالم، ويقوله الفلاسفة في حركة بعض الأفلاك وهذه أمور جزئية لكن لم يعتقد أحد منهم قط أنَّ الأصنام هي التي خلقتْهم، أو أنَّها هي التي تنزل الغيث أو ترزق العالم وتدبِّر أموره([1]). ولم يُثبت أحد شريكًا لله تعالى مساويًا له في أفعاله([2]).

الركن الثاني: أنَّ هذا الإقرار والإيمان بالرُّبوبية لم يحقنْ دماءَهم ولم يمنع من مقاتلتهم ودعوتهم إلى التوحيد ـ توحيد العبادة ـ بل لم يزل النبي ﷺ يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة ولم يزل يقاتلهم لشركهم.

وهذا يعني: أنَّ هذا الذي أقروا به: لا يكفي وأنه لا يدخل في الإسلام بمجرده وأنه لا يكفي في التوحيد ولا يُعتبر قائله ـ بمفرده ـ موحّدًا ما لم يضف إليه لازمه وهوا إفراد الله بالعبادة مخلصًا له الدِّين.

ويعني: أنَّ الشِّرك ليس في الرُّبوبية فقط بل في الربوبية والألوهية.

وإذا تقرَّر عندك ما سبق فاعلم:

أولًا: أن الرسل من أولهم إلى آخرهم عليهم السلام بعثوا لدعوة العباد إلى إفراد الله بالعبادة وإخلاص الدين له، لا لإثبات أنَّ الله خلقهم إذ هم مقرُّون بذلك مفطورون عليه لا ينكرونه وإنما أنكروا الأول وخالفوا فيه كما قال تعالى عنهم: { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } [الأعراف:70] وهذا جواب قوم هود وإنكارهم ما دعاهم إليه. وقال مخبرًا عن إنكار قريش لتوحيد العبادة: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ص:5].

قال ابن كثير  رحمه الله : «أي: أَزَعمَ أنَّ المعبود واحد لا إله إلا هو؟. أنكر المشركون ذلك - قبحهم الله تعالى - وتعجَّبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقَّوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأُشربتْه قلوبُهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الله بالوحدانية أنكروه وتعجبوا منه».

وقال الصنعاني  رحمه الله : «فلم ينكروا الله تعالى، ولا أنكروا أنه يُعبد، وإنما أنكروا كونه يُفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيرَه، وأشركوا به سواه، واتخذوا له أندادًا»([3]).

ثانيا: أنَّ التوحيد الذي يدخل في الإسلام ويحقن الدم وينجِّي في الآخرة من عذاب الله: هو أن نعبد الله تعالى وحده لا شريك له، فلا نشرك به شيئًا، ولا نجعل له ندًّا في ألوهيته، لا شريكًا ولا شفيعًا([4]).

وأنَّ الرُّسل كلّهم من أولهم إلى آخرهم بُعثوا لذلك كما سبق في المقدمة، وأنهم يقولون: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)([5]).

قال ابنُ القيم  رحمه الله : «وليس التوحيد مجرَّد إقرار العبد بأنَّه لا خالق إلا الله، وأنَّ الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عُبَّاد الأصنام مقرِّين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمَّن من محبَّة الله، والخضوع له، والذلّ له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع، والعطاء، والحب، والبغض: ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها»([6]).

ثالثا: أنَّ التوحيد يشمل توحيد الربوبية وهو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير، وهذا يقرّ به المشركون، ويشمل توحيد الألوهية وهو إفراد الله تعالى بالتألُّه وهو التعبُّد، فلا يُصرف نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه.

والرسل بُعثوا لتقرير الأول، وإلزام المقرِّين به بالثاني. فإنهم إذا أقروا بالربوبية لزمهم إفراده بالألوهية والعبادة.

وبيان هذا كما يلي:

اعلم أنَّ الآية التي تلاها المصنف ونظائرها مما ذكرنا سابقًا من الآيات التي تدلُّ على إقرار المشركين بالربوبية كلّها جاءت بصيغة استفهام التقرير لا الانكار، لأنّهم يقرون بذلك ولا ينكرونه. والأصل في الاستفهام في اللغة: طلب العلم بمجهول، ويخرج لمعان كثيرة، ومنها: التقرير، وهو: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، والاعتراف به، لا لمجرَّد الإقرار والاعتراف فقط، فإنَّه سيكون حينئذ تحصيل حاصل حيث هُم مقرُّون معترفون بذلك، وإنما يكون التقرير لمقصود يريده المقرّر.

ومقاصد تقرير المشركين بتوحيد الربوبية ما يلي:

1ـ توبيخهم وبيان سخافة عقولهم، والإنكار عليهم عبادتهم غير الله سبحانه وتعالى وإشراكهم به، مع اعترافهم بأنَّ ما يعبدونه: مِن خَلْق الله تعالى، وأنَّه مملوك له، أوجدَه وخلقه من عدم، وقادر على أن يفنيه.

قال ابنُ كثير  رحمه الله : «ثمَّ قال: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: { مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها، وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره، ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل؛ ولهذا قال: {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}»([7]).

2ـ من مقاصد التقرير إلزامهم بتوحيد الألوهية، وهو مرتب على الأول.

قال العلامة الشنقيطي  رحمه الله : «كل الأسئلة المتعلّقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقرّوا رتّب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار، لأن المقرّ بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة»([8]).

وحاصل الإلزام: أنْ يفردوه بالعبادة كما أفردُوه بربوبيَّة السماوات والأرض ومن فيهن([9]).

3ـ الحجَّة على المشركين فإذا أقروا بربوبيته احتُجّ عليهم بذلك على وجوب إفراده بالعبادة، فمن لا يقدر على أن يخلق ويرزق، بل هو مخلوق مرزوق، لا يصلح أن يكون إلـٰهًا تُصرف له العبادات.

وقد احتج الله عليهم بذلك الإقرار، كالآية التي تلاها المؤلف: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }

قال ابن كثير  رحمه الله : «يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية الإله فقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشقّ الأرض شقًّا بقدرته ومشيئته، فيخرج منها حبًا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلًا وحدائق غُلبًا وسفاكهةً وأبًّا، أإله مع الله؟ فسيقولون: الله: { وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } أي: من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون: { فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } أي هم يعلمون ذلك ويعترفون به، {فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم: { فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يُفرد بالعبادة: { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ } أي فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له. {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؟».

وقال ابنُ القيم  رحمه الله : «إذا ثبتت قدم العبد في توحيد الربوبية فإنَّه يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهية، فإنَّه إذا تيقَّن أنَّ الضر والنفع، والعطاء والمنع، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه لا مُوفَّق إلا من وفقه وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلَّى عنه، وأنَّ أصح القلوب وأسلمها وأقومها وأصفاها مَن اتخذه وحدَه إلهًا ومعبودًا: فكانَ أحبّ إليه مِن كلّ ما سواه، وأخوف عنده من كل ما سواه، وأرجى له من كل ما سواه، فتتقدم محبته في قلبه جميع المحابّ، وهذا علامةُ توحيد الإلهية في هذا القلب، والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية، أي باب توحيد الإلهية هو توحيد الربوبية. فإنَّ أوَّل ما يتعلَّق القلب: يتعلَّق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية.

كما يدعُو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقرِّرهم به ثمَّ يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية.

قال الله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [الزخرف: 87] أي فأنى يُصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله، وعن عبادته وحده، وهم يشهدون أنه لا رب غيره، ولا خالق سواه، وكذلك قوله تعالى: { قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [المؤمنون: 84 - 85] فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحْدَه إلههم ومعبودهم، فكما لا ربّ لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ } [المؤمنون: 86 - 88] الآيات، وهكذا قوله في سورة النمل: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [النمل: 59 - 60] إلى آخر الآيات.

يحتجُّ عليهم بأنَّ مَن فعَلَ لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده، فإنْ كان معه ربّ فعلَ هذا فينبغي أنْ تعبدوه!، وإن لم يكن معه ربٌّ فعلَ هذا فكيف تجعلون معه إلهًا آخر؟!.

ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية: أإله مع الله فعل هذا؟ حتى يتم الدليل، فلا بد من الجواب بـ: لا، فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله، فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه؟ فعُلم أنَّ إلهية ما سواه باطلة، كما أنَّ ربوبية ما سواه باطلة بإقرارهم وشهادتهم»([10]).

وهكذا احتجَّ عليهم بالإقرار في إثبات الألوهية بقوله تعالى: { أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ }

قال ابنُ كثير  رحمه الله : «هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تنصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج:73، 74] أخبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها، ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو استلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يُعبد ليرزق ويُستنصر؟».

وكذا احتج عليهم بإقرارهم في قوله: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }

وهذا تنبيه على عظمته وأنَّه لا تنبغي العبادة إلا له دون من سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئًا بل يُخلقون.

وهكذا احتج عليهم الرسل بإقرارهم على وجوب ولزوم الإقرار بالألوهية وذلك في قوله تعالى: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: أفي إلهيَّته وتفرّده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإنَّ غالب الأمة كانت مقرّة بالصانع، لكن تعبُد معَه غيرَه من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقرِّبهم من الله زلفى.

وقال الخليل عليه السلام: { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } الصافات:95.

قال شيخ الإسلام  رحمه الله : فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق فلا يكفي وحده بل هو من الحجَّة عليهم([11]).

4ـ من مقاصد تقريرهم أنهم إن لم يلتزموا بما ألزموا به من إفراد الله تعالى بالعبادة عاد ذلك بإبطال إقرارهم. فلم ينفعهم ولم يستفيدوا منه، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106].

قال الصَّنعاني  رحمه الله : «فمن شأن مَن أقرَّ بتوحيد الربوبية أن يفردَه بتوحيد العبادة، فإن لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل»([12]).



([1]) انظر: مجموع الفتاوى (1/91).

([2]) انظر: مجموع الفتاوى (11/50) (3/96) التدمرية (176 ـ 181)، درء التعارض (9/344).

([3]) تطهير الاعتقاد (41).

([4]) انظر: مجموع الفتاوى (11/50).

([5]) انظر: تطهير الاعتقاد (43).

([6]) مدارج السَّالكين.

([7]) تفسيره (آية 87) من سورة الزخرف.

([8]) آية 9 من الإسراء، أضواء البيان (3/ 21).

([9]) انظر: تطهير الاعتقاد (44).

([10]) مدارج السالكين (1/292/293) رسالة، بتصرف يسير في أوله.

([11]) مجموع الفتاوى (1/23).

([12]) تطهير الاعتقاد (47).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح